ليست المرة الأولى التي أذكر فيها صديقي العزيز م.يحيى حسين عبد الهادي، المناضل الوطني الشريف، بطل موقعة منع بيع «عمر أفندي»، وغيرها.
أسبوعيا، استمتع بمقال لصديقي في الصحيفة المصرية العريقة، وعندما غاب المقال عرفت أن «عراقة» الصحيفة لم تحتمل «صراحة» صديقي، فحصلت على نص المقال وها أنا أترك مساحة مقالي لأنشر المقال الممنوع لصديقي يحيى حسين عبدالهادي وهو بعنوان «التقرير».
التقرير
بقلم: يحي حسين عبد الهادي
التقرير المقصود في عنوان المقال لا علاقة له بتقرير الستمائة مليار جنيه المنسوب للسيد المستشار هشام جنينة رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات «حتى ساعة كتابة المقال صباح الخميس 14 يناير» ولا تقرير اللجنة المشكّلة لإدانته.. وإنما هو اسم فيلم من روائع السينما العربية عرض من ثلاثين عاما عن قصة الكاتب السوري الراحل محمد الماغوط وإخراج وبطولة الفنان المثقف دريد لحام وآخرين.
الفيلم يحكي قصة عزمي بك وهو موظف حكومي نظيف يشغل وظيفة المستشار القانوني بإحدى المؤسسات الحكومية في دولة لم يحددها.. وهو بحكم موقعه مسؤول عن منح التصاريح للمشروعات المقامة على أراضي الدولة، الرجل قمة في الاستقامة والنزاهة والضمير الحي وحب الصالح العام، لا يحابي ولا يجامل ولا يتكسب ولا يستجيب للضغوط، عندما سألته سكرتيرته رغدة من أين يأتي بهذه القوة والصلابة، أجابها «واهما» بأنه مثل لبنان تكمن قوته في ضعفه، فهو غير مدعوم من أي جهة في الدولة لتحارب الجهة الأخرى في شخصه الضعيف، وأن ما يحميه في هذه الحالة هو إخلاصه الشديد في العمل وللصالح العام، تستمر أحداث الرواية تروي مواقف كوميدية تمثل إهدارا للمال العام وغياب العدالة، إلى أن تأتي الحادثة الكبرى التي تطيح بالمستشار، مشروع الحنفية، وهو عبارة عن ماسورة مياه تنتهي بصنبور صغير في وسط أرض فضاء في موقع متميز، أقيم احتفال كبير في افتتاح المشروع أطلق عليه «مهرجان الحنفية»، رفض عزمي بك التوقيع على ميزانية الاحتفال بمشروع الحنفية عندما وجد أن ميزانية الاحتفال بالمشروع تصل إلى ضعف ما تم إنفاقه على المشروع نفسه!.. فوجئ بفرقة من العازفين تدخل عليه مكتبه تطالبه بصرف مستحقاتهم عن دورهم في مشروع الحنفية، فسألهم عزمي بك مندهشا «وما دوركم في مشروع الحنفية؟» فأجابه كبيرهم نصاً «التطبيل للحنفية»، تزايدت الضغوط عليه، واتضح أن الحنفية مجرد واجهة لمشروع فساد متكامل لبناء مول الحنفية وفندق الحنفية وملعب بولينج الحنفية، وساءه أكثر أنه لما ذهب إلى أرض المشروع وجد الحنفية قد سرقت جلدتها بعد يوم واحد من الافتتاح، ولما اندهشت سكرتيرته من إعطائه موضوع الحنفية أكثر مما يستحق، أجابها بأن الحنفية منزوعة الجلدة كفيلة بأن تشفط المياه المتجمعة خلف السد، وان من يفرط في حنفية يفرط في بلد، ومع تصاعد الضغوط اضطر لتقديم استقالته ظنا منه أن ذلك سيلفت نظر الإدارة العليا في الدولة لاسيما أن رؤساءه من المؤكد لن يقبلوا استقالته لاحتياجهم لكفاءته، الذي حدث عكس ما توهم، إذ قبلت استقالته على الفور ولم يهتز أحد في الدولة، بل تم على الفور تعيين موظفة مغمورة محدودة الكفاءة مكانه لا يهمها سوى مصالحها الشخصية فقامت بالتوقيع على كل المعاملات التي رفضها من قبل، فقرر عزمي بك كتابة تقرير شامل مدعم بالصور عن كل ما رآه من مهازل يومية أثناء خدمته لتقديمه للجهات العليا التي من المؤكد لن توافق على هذا الفساد، وعندما انتهى من كتابة التقرير أعد خطبة عصماء يقولها لكل مسؤول وهو يسلمه التقرير، ختمها بقوله «لو استمر الحال على هذا المنوال يا سيدي فسيصبح البلد على العظم.. عظم الله أجرك»، ولما تأهب للذهاب للمسؤولين عرف أنهم جميعهم في ملعب كرة القدم يحضرون مباراة مهمة، فتوجه إلى الملعب وطلب من الحكم وقتاً مستقطعاً لأهمية الأمر لكن الحكم تجاهله وداسته أقدام اللاعبين حتى الموت دون أن يهتموا به، بينما تطايرت أوراق التقرير في الهواء وظلت الحنفية بلا جلدة!.
خارج الموضوع: سبق أن اعترف جمال وعلاء مبارك في تحقيقات جهاز الكسب غير المشروع «قبل أن يصبح المستشار الزند وزيرا للعدل» بوجود حساب لهما في سويسرا بقيمة 340 مليون دولار «نحو ثلاثة مليارات جنيه»، وقد مرت ستة أسابيع ولم نحصل على إجابة لسؤالنا عن هذه القضية، هل حفظت باعتبارها مالا حلالا بلالا؟ هل مازالت قيد التحقيق؟ أم قيد التصالح؟ نسأل فهل من مجيب؟