«عندما تأتي سيرة قروض صندوق النقد الدولي لمصر أتحسس جيبي»، وتجتاحني مشاعر المقبل على الخضوع لعملية جراحية من النوعية التي يخرج الطبيب بعدها متجهما ليقول لاهل المريض: «إحنا عملنا اللي علينا والباقي على ربنا».. أو ذلك الشعور الذي يتملك من يخبره الطبيب بضرورة تناول تشكيلة من الأدوية المرة، والحقن يوميا ما تبقى من حياته.
«الدين هم بالليل ومذلة بالنهار» هكذا يقولون، واعتقد انهم صادقون، وقديما قالوا «لا هم الا هم الدَّين».. و«الدَّين أوله هم وآخره حرب».. و«حرية المسلم كرامته، ومذلته دَينه وعذابه سوء خلقه».. و«الدَّين ينقص الديِّن»، و«الدَّين رق فليختر أحدكم أين يضع رقه».
وقد تشدد الاسلام في مسألة الدين تشددا كبيرا يجعله مكروها غير محبب الا في حالات الضرورة القصوى، ويكفي ان الدين مانع من المغفرة للشهيد اذ جاء في صحيح مسلم ان الرسول الكريم عليه افضل الصلاة والسلام قام في أصحابه فذكر لهم أن الجهاد في سبيل الله والإيمان بالله أفضل الأعمال، فقام رجل فقال: يا رسول الله أرأيت إن قتلت في سبيل الله تكفر عني خطاياي؟ فقال الرسول الكريم: «نعم إن قتلت في سبيل الله صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر إلا الدَّين»..
هذا غيض من بحر عن «الدَّين» في الإسلام، وجله قصد به بالطبع الديون على الأشخاص، أما في حالتنا المصرية فيجب التأكيد على أن الدَّين الذي تسعى الحكومة لأخذه من صندوق «النكد» الدولي سيتحمله كل مصري ومصرية، وسيشعرون بنتائجه بشكل مباشر، في شكل تخفيض لمخصصات الدعم، وتراجع في الإنفاق على الخدمات، وارتفاع لأسعار سلع أساسية مدعومة تزيد الضغط على محدودي الدخل من الطبقات المتوسطة والفقيرة، وبالرغم من الأهمية «السياسية» لموافقة صندوق النقد الدولي على منح قرض الـ4.8 مليارات دولار لمصر، والتي لن يتم بدونها الحصول على منح وقروض دولية أخرى، إلا أن «الغموض» الذي يحيط بمفاوضات القرض، و«التعتيم» المطبق على الشروط التي يطالب بها الصندوق، وهي في العادة تضم جوانب اقتصادية كضبط الانفاق ووضع قيود على الموازنة وتعديل بنودها،.. واجتماعية كالحد من الوظائف وتقليص الدعم، ورفع اسعار بعض السلع والخدمات.. وسياسية تمنح امتيازات للدول المسيطرة على صنع القرار في الصندوق، وتسمح بالتدخل حتى في السياسات الداخلية للدول المقترضة، هذا «الغموض» و «التعتيم»، يلقيان بظلال قاتمة على القرض ومفاوضاته على السواء، خاصة مع تأجيل الموافقة واللجوء إلى مزيد من المباحثات على الرغم من خضوع هذا القرض لمظلة اتفاقية «شراكة دوفيل» التي اقرها اجتماع مجموعة الثمانية الكبار في «دوفيل» الفرنسية، ووقعت عليها مصر في سبتمبر 2011، لتقديم الدعم المالي لـ «بلدان الربيع العربي» التي تمر بمرحلة انتقالية بهدف دعم استقرارها السياسي والاجتماعي، والاسراع بالاصلاح الهيكلي للاقتصاد.. اضافة لامور اخرى كثيرة والتي كان ينبغي ان تجعل الموافقة عليه أسهل من ذلك».
.. ومع الدعوات بالتوفيق لحكومتنا الرشيدة في مسعاها الحثيث لوضع 4.8 مليارات دولار جديدة على كاهلها – او بالاحرى كاهلنا – نذكر بان القرض ستحصل عليه هذه الحكومة، لكن فوائده – عفواً أقصد مصاريف خدمته – سيتحملها الشعب، والاجيال المصرية المقبلة لسنوات قادمة دون ان يحاول احد ان يشرح للشعب الحاجة القصوى والماسة والمبررات القاسية، وغياب البدائل.
.. ومع الدعوات للحكومة بالتوفيق «أتمنى» عليها ان توضح للشعب – الذي سيدفع ويتحمل – كيف سيستخدم القرض؟ وهل هناك خطة اقتصادية واضحة، ورؤية مقنعة مع التعهد بعدم المساس بالطبقات المتوسطة والفقيرة، وضمان استمرار تحقيق العدالة الاجتماعية المطلوبة.. فكل ما نرجوه منها أن تضع نصب اعينها ابسط الحق الانساني في العيش الكريم للفقراء والمطحونين.. وكل قرض وانتم «طيبين» وحفظ الله مصر وشعبها من كل سوء.