.. قبل أيام كتبت مقالاً جاداً غير ساخر بل يقطر ألماً وضيقاً وأسفاً على ما آلت اليه احوال المحروسة، وكان المقال مبنيا على مكالمة من العالم المصري المغترب د.نائل الشافعي، الخبير بأهم معاهد التكنولوجيا في العالم «معهد ماساشوستس» حول تنازل مصر عن حقها – ابان عهد الرئيس المخلوع مبارك – في حقول الغاز داخل المياه الاقتصادية المصرية في البحر المتوسط، لصالح اسرائيل وقبرص، وقناعة العالم المصري المحترم بضرورة المطالبة بالحق المصري الضائع من وجهة نظره وهو العالم الجليل الذي حضر مرتين من امريكا الى القاهرة لمقابلة المسؤولين وشرح وجهة نظره بالوثائق، المقال حمل عنوان «معلش.. احنا بنتسرق»، وختمته بمطالبة المسؤولين بالكشف عن حقيقة الاستعانة بخرائط اعدتها شركة اسرائيلية لتكذيب العالم المصري.
.. لم اذكر اسم الرئيس مرسي في المقال على الاطلاق.
.. وذكرت لفظ «الرئيس» مرة واحدة على لسان العالم المصري عند قوله «وطلبت مقابلة الرئيس، فأحالوني الى اشخاص آخرين».. هكذا فقط، لا اكثر ولا اقل، ففوجئت بسيل من ردود الفعل المبالغ فيها يتهمني بالعديد من التهم المعلبة، والجاهزة: الاساءة للرئيس.. العداء للاخوان.. اعاقة الرئيس.. اهانة الحكومة.. التعرض للرئاسة.. إحباط القيادة.. وعلى طريقة الزوج الجديد للمطلقة في معايرتها المتواصلة بمساوئ المأسوف على شبابه طليقها يصرخ البعض: «أيام مبارك كنت تقدر تنتقد».
ترك الجميع بميليشياتهم الالكترونية «لب» الموضوع، وأهمية احتمالية أن نكون فعلا «بنتسرق» في احتياطي غاز يقدر بـ200 مليار، ونذهب «لنشحت» بضعة مليارات تعد على أصابع اليد الواحدة من اللي يسوى واللي ما يسواش، وبدلا من الضغط على الحكومة لاستعادة حق مصر المسلوب، تركوا ذلك، ودخلوا في دفاع ممجوج عن شخص الرئيس مرسي الذي لم أتعرض له أصلاً!!
ورغم أن الأمر يتكرر كثيرا حتى تحول إلى ما يشبه الإرهاب، ومع قناعتي بأن أفضل علاج لمثل هذا الأمر هو تجاهله، والتركيز على ما فيه مصلحة مصر والمصريين، وما أعتقد أنه صواب، إلا أن هناك نقاطاً ينبغي أن تكون واضحة للمصريين:
أولا: لا قداسة لشخص الرئيس أيا كان، وأيا كان انتماؤه، بل احترام وتقدير له كإنسان وكمصري جاءت به صناديق الانتخاب رئيسا لمصر، وليس معصوما من الخطأ.
ثانيا: ما أوجهه من نقد فهو لأفعال أو قرارات أو تصرفات للرئيس أو رئيس الوزراء أو المسؤولين عموما، ولن تجدوا فيها إهانة لشخوصهم أو امتهاناً لكرامتهم.
ثالثاً: نحن المصريين شعب تعود منذ آلاف السنين على حكم الفراعنة، حيث كان الفرعون الإله هو الحاكم، وعندما هدانا الله لدياناته السماوية، بقي في نفوسنا شيء من تفخيم وتقديس الرئيس، يجب أن نتخلص منه، دون أن نقلل من احترام الشخص، ولكن علينا التعود على وضع جديد، يعود الفضل فيه لله ثم لدماء شهداء الثورة، وهو أن الرئيس مواطن مصري سيقضي فترة رئاسية أو اثنتين ثم يعود إلى الحياة كرئيس سابق وهو منصب لم نعتده ويجب التعود عليه، والابتعاد عن صناعة «الرئيس الفرعون» التي يسهم فيها الإعلاميون المنافقون الذين يؤكدون للرئيس أنه القائد والزعيم الضرورة. الجهبذ.. مفجر الثورات.. وراعي النهضات.. والذي بدونه تدخل البلاد في سبات.. ويكون مآل الشعب الممات!!
كما يسهم في صناعة الرئيس الفرعون.. شعب استمرأ أن يحكمه الفراعنة حتى انتفض قبل عامين.
أعلم أن كلماتي ستغضب الكثيرين، كما غضب آخرون عندما قلت إنني ما زلت مع «شرعية» الرئيس، وضد العديد من قراراته التي ينبغي تعديلها حتى تستقيم الأمور، وضد كل الأخطاء التي ارتكبها الحكام الجدد على مدى العامين الماضيين.. والفرق كبير بين معارضة شخص الرئيس ومعارضة قرارات اعتقد أنها خاطئة، كما أن البون شاسع بين معاداة الدين الإسلامي، ومخالفة «سياسات» جماعة الإخوان المسلمين.
للأسف البعض يترك مصر تنحدر باتجاه المجهول، ويتفرغ لقمع الكتّاب، ومقاضاة الإعلاميين أو تقديس أشخاص لا يجوز تقديسهم، والدفاع عن أيديولوجيات سياسية ذات خلفية دينية.. ولتذهب مصر إلى الجحيم.
وحسبنا الله ونعم الوكيل.. وحفظ الله مصر وشعبها من كل سوء.