Friday, March 15, 2013 حلم الرئيس


.. دخل المساعدون واحداً تلو الآخر إلى غرفة الاجتماعات الرئيسية بالقصر وهم يتهامسون عن السبب الذي من أجله دعاهم الرئيس الى اجتماع مهم وعاجل وسري، ودون ترتيب أو أجندة مسبقة، ولم يستطع أقرب المساعدين التصاقاً بالرئيس ان يلبس مسوح العارفين ويغمغم بكلمات تشي للآخرين بأنه يعرف بالفعل سبب الاجتماع.
.. اكتمل الحضور وغلقت عليهم الأبواب الرئيسية وسادت القاعة الفسيحة همهمات خافتة، وهمسات ثنائية تدور كلها حول التكهنات بأسباب الاجتماع،.. وبدأت الاصوات تتصاعد مع مرور الوقت وعدم حضور الرئيس، فتشجع بعض المساعدين وبدأوا في «التندر» الخفيف.. والمهذب، على «اعتيادية» التأخير،.. وعادة «التأخر» حتى انفتح الباب الموصل لغرفة الرئيس، ودخل متجهماً، صامتاً، ثم جلس، ونظر إليهم واحدا واحدا، ثم قال:
تعلمون جميعا انني لم اسع الى منصبي هذا، ولم أك يوما طامعا فيه، أو مستعدا له، وان الامر كله حدث فجأة، بدءا بتحركات الشباب في الشوارع ثم تصاعد الضغوط وتخلي المخلوع، وتحول التحرك إلى ثورة «لم نكن يوماً داعين إليها أو طالبين لقيامها، ولكن الله أراد أن يمكننا في الأرض لعلم عنده لا يعلمه سواه، ثم تداخلت القرارات والظروف وقبلها المشيئة لأصبح رئيسكم».
.. توقف الرئيس قليلاً، ورشف رشفة من كوب أمامه، وقال حتى الأمس كنت ملتزماً بالسمع والطاعة، وتنفيذ ما نعتقد جميعاً أنه في صالح الجماعة، وصالح بلدنا، ومن ثم سائر بلاد المسلمين التي نسعى لتوحيدها تحت راية الخلافة الجديدة، يساعدنا في ذلك اخواننا في كل بلاد العالم، ولكن بالأمس جاءني الإمام المؤسس، بطربوشه الأحمر، وذقنه التي يخالط سوادها بعض البياض، ووضع يديه الاثنتين في جيب جاكت بذلته ونظر لي نظرة طويلة، ثم رفع بصره إلى السماء هنية قبل أن يعود للنظر في عيني مباشرة ويقول:
تعلم كم كان حرصي على توحيد كلمة المسلمين، وجمع الفرق الإسلامية لعل الله يهديهم إلى الإجماع على أمر يحول بينهم وبين تكفير بعضهم البعض، فقرآننا واحد وديننا واحد ورسولنا صلى الله عليه وسلم واحد وإلهنا واحد، وتعلم رأيي في «الديموقراطية» الغربية التي أوصلتكم إلى الحكم وأوصلتك إلى هذا الكرسي، وكنت أتمنى أن تظلوا على ما ميزكم الله به من انتساب إلى الدعوة وحرص على التمسك بآدابها وشعائرها، وأن تصلح سرائركم وأعمالكم، وتأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر، وتوجهوا النصيحة بالرفق واللين، وتعملوا لوجه الله مخلصين.
وتقطع صوت الرئيس وهو يقول:.. «وأشاح الإمام المؤسس بوجهه عن وجهي، وأخرج يديه من جيبيه فإذا بهما حمراوان تقطران دماً ورفعهما في وجهي وهو يصرخ: انظر ماذا فعلتم بي،.. لماذا تحملوني وزر ما لا أطيق، ومن يتحمل ذنب الشهداء من كل أبناء البلاد؟ ومن المسؤول عن نشر الفزع والرعب والفتنة بين الناس؟ هل تعتقدون أن ما أوصلتم البلاد إليه يرضي الله ورسوله؟
ثم اختفى تاركاً بقعة دماء حمراء قانية كبيرة مكان وقوفه.
ساد الصمت القاعة، وترقب جميع المساعدين وجه الرئيس الذي أخذ يتغير ويرتعش ثم قال: «لقد قررت البقاء في منصبي كرئيس منتخب مع تشكيل حكومة وحدة وطنية معيارها الكفاءة وهدفها الإنجاز، وإنشاء مجلس رئاسي معاون مكون من 9 مساعدين حقيقيين للرئيس يتبعونني مباشرة ودون الرجوع لأحد غيري، عليهم وضع خطة عاجلة لا تتجاوز 12 شهراً للإنقاذ الوطني ولانتشال البلاد مما هي فيه، ومنع ما هي مقبلة عليه، وتبدأ على الفور بفرض الأمن وهيبة القانون وإنهاء الأزمات «المفتعلة» التي انشغل الناس فيها وبها ومعها، والإيعاز لمجموعة من ثقات الخبراء الدستوريين لتصحيح أي اعوجاج أو انحراف في الدستور، وإعادة الهيبة للقضاء وأحكامه، وإيقاف الحملات الإعلامية على جيشنا العظيم، واعادته لدوره الطبيعي بعد ان ينتهي من مساعدة اخوانه في جهاز الشرطة لضبط الشارع وسلوك الناس الذي انفلت بشكل غير مسبوق، وتكليف احد المساعدين التسعة بملف خاص بالمصالحة المجتمعية، واعادة علاقات ابناء شعبنا ببعضهم البعض كما كانت في السابق.
.. وهمس اقرب مساعدي الرئيس في أذنه «القصاص.. القصاص».. فنظر الرئيس اليه شذراً، وقال: هو أولى القضايا بملف المصالحة المجتمعية.
واشهدكم انني لن اصعد «جبل المقطم» حتى يتحقق الامان ويسود العدل، وتعود بلادنا كما كانت.
علا صوت تصفيق الحضور تصفيقاً حاداً، وواصلوا التصفيق وهم وقوف..
فانتبهت على صوت تصفيق «فراش» المكتب بجوار اذني وهو يقول: «أستاذ.. أستاذ أول مرة اشوفك نايم على المكتب وفي يدك القلم.. هل كنت تحلم؟.. آسف اذا كنت «صفقت» جنب ودنك بس كان لازم أصحيك عشان تكتب المقال..»
.. خير.. خير اللهم اجعله خيراً.. قلتها وأنا أفرك عيني.
وحفظ الله مصر وشعبها من كل سوء.

flower
HOSSAM FATHY